بطاطس التحمير..
هل الأمر يستحق المخاطرة؟!

Fresh potatoes in the beginning of the season are good both for frying and cooking
محصول البطاطس الطازج في بداية موسم إنتاجه يصلح لأغراض الطهو والقلي (التحمير) معاً
Photo by Salma Gomaa, 2013


يحتوي البطاطس الطازج في بداية موسم الحصاد على محتوى من المياه قد يتجاوز 75% من وزن الثمرة، ويبلغ متوسط نسبة النشويات 18%، بينما لاتشكل نسبة السكريات الحرة البسيطة أكثر من 0.5%.

تختلف نسبة الماء والنشا والألياف بشكل أو بآخر باختلاف صنف البطاطس واختلاف موسم الإنتاج وبطور النضج الذي تم الحصاد عنده، ولكنها تبقى –بشكل عام- حول المتوسطات الموضحة سلفاً. وبطول الفترة التالية للحصاد، فإن ثمرة البطاطس –شأنها شأن أي محصول زراعي آخر- تشهد عدداً من العمليات الحيوية كالتبخير والتنفس مثلا، تنتج عنها تغيرات فسيولوجية في الثمرة لعل من أبرزها فقد المياه بشكل متواصل بمرور الوقت.  أما خارج الثمرة فإن جيوشاً من الفطريات والآفات تأخذ في التكاثر على السطح الخارجي للدرنة، وبشكل أقوى في العقد والثنايا الموجودة بها، بالإضافة إلى احتمال إصابة لب الثمرة أساساً ببعض من هذه الفطريات أو الآفات. وفي خلال الأسابيع القليلة التالية لعملية الحصاد فإن تأثير نمو هذه الفطريات والآفات على جودة وسلامة درنات البطاطس يبقى محدوداً وغير ذي أهمية بشكل عام. إلا أن طول مدة التخزين يؤدي إلى وصول هذه الآفات إلى درجة تؤثر على جودة وسلامة الدرنات، وبالتالي على ملاءمتها للاستهلاك وقدرتها على تحقيق سعر بيعي جيد. وفي جميع الأحوال، فمن المؤكد أنه يستحيل على محصول البطاطس أن يستمر إلى نهاية الموسم واقتراب الموسم الجديد بدون تدخل قوي من أجل حفظها من تأثير العمليات الحيوية الهدامة لجودة الثمرو، ومن تأثير الآفات التي تتضاعف أعدادها في شكل متسلسلة هندسية سريعة. ومن هنا كان حفظ البطاطس يتم بإحدى طريقتين أو بمزيج منهما:

  1. التبريد Refrigeration
  2. التعفير بالمبيدات الفطرية والحشرية Fungicides, Pesticides, and Insecticides
  3. الجمع بين الطريقتين أعلاه Mixed Mode

 

Potato
حفظ محصول البطاطس بالتبريد في الثلاجات

التبريد هو الطريقة الأكثر أماناً وحفاظاً على صحة المستهلك لتخزين محصول البطاطس حتى نهاية موسم الإنتاج.

بموجب هذه الطريقة، يتم تخزين محصول البطاطس خلال فترة معينة بعد حصاده في ثلاجات تحت درجات حرارة منخفضة، مما يثبط نمو الفطريات والآفات الموجودة على سطح الدرنات أو داخل أنسجتها. وبالإضافة إلى ذلك، تقوم عملية التبريد بتثبيط معظم التحولات الكيميائية والبيولوجية التي تحدث بشكل طبيعي داخل الدرنات (فضلاً عن تلك التي تحدث بسبب الفطريات أو الآفات) والتي من أهمها عملية التنفس التي تتضح معظم آثارها عادة في فقد الدرنات لجزء من وزنها نتيجة لفقد الماء، بالإضافة إلى فقد المادة الغذائية المحتواة بها.

ولكن على الجانب الآخر، فإن النشا المحتوى داخل درنات البطاطس، والذي يعد أحد أشكال السكريات المركبة، قد يتعرض إلى التحول بشكل جزئي وبدرجات متفاوتة إلى سكريات بسيطة نتيجة لوجوده في وسط مائي (وهو المحتوى المائي الطبيعي داخل درنة البطاطس،) بالإضافة إلى بقائه تحت التبريد لفترات طويلة. في واقع الأمر، فإن تحول النشا إلى سكريات بسيطة قد لا يحدث الجزء الأكبر منه أثناء وجود الدرنات تحت التبريد، بل بعد زوال التبريد بإخراج محصول البطاطس المخزن من الثلاجات لتداوله واستهلاكه. وتتأثر سرعة ودرجة تحول النشا داخل البطاطس (وهو من السكريات المركبة) إلى سكريات بسيطة على عدة عوامل منها:

  1. صنف البطاطس
  2. درجة نضج درنات البطاطس عند الحصاد
  3. المحتوى المائي لدرنات البطاطس
  4. ظروف التشوين والتخزين بعد الحصاد
  5. إصابة درنات البطاطس بإصابات فيروسية أو بكتيرية داخلية (كالعفن البني مثلاً)
  6. الفترة الزمنية التي قضاها محصول البطاطس بعد الحصاد وقبل التبريد
  7. درجة حرارة التبريد
  8. مدة التبريد

ولكن درنات البطاطس  أصبحت غير ملائمة للقلي!!
نعم.. فبوجود محتوى مرتفع من السكريات البسيطة في درنة البطاطس، تصبح عملية القلي، والتي تتم عادة في درجة حرارة تبدأ من 120 درجة مئوية وقد تصل إلى 180 درجة مئوية، عملية –في الغالب- غير ناجحة، أو على أقل تقدير، عملية صعبة ونتائجها غير مرضية لمعظم الأذواق. يرجع ذلك إلى احتراق السكريات الموجودة على سطح شرائح أو قطع البطاطس وتحولها إلى “كراميل” بلون داكن بمجرد ملامسة قطع البطاطس للزيت الساخن ودون أن تصل إلى درجة النضج أو حتى تقترب منها. وبالإضافة إلى ذلك، تحدث ليونة شديدة في قطع البطاطس تجعل الوصول بها إلى درجة “القرمشة” –وهي إحدى مقومات الجودة المتعارف عليها في البطاطس المقلية- شبه مستحيلة. ومع ذلك فإن طهو البطاطس المبردة بطرق الطهو الأخرى التي لا تتجاوز فيها درجة الحرارة درجة المائة درجة مئوية بكثير لا يشكل أية مشكلة، بل إن ارتفاع نسبة السكر في الدرنة يجعل معظم الأصناف المطهوة باستخدامها أكثر لذة واستساغة لدى كثير من المستهلكين.
 

 

Potato
حفظ محصول البطاطس بالمبيدات الحشرية والفطرية

يعد هذا النوع من الحفظ الأسهل والأرخص كلفة، حيث يتم تعفير درنات البطاطس الطازجة (بعد تمام جفاف قشرتها الخارجية من رطوبة التربة بعد الحصاد والتخلص من الطين العالق بها) باستخدام جرعات زائدة من المبيدات الفطرية الجافة أو المبيدات الحشرية الجافة أو بخليط منهما. وبالإضافة إلى التكلفة المنخفضة نسبياً لاستخدام هذه الطريقة في بداية موسم إنتاج البطاطس، فإن محصول البطاطس المحفوظ بهذه الطريقة قد يحقق أيضاً ربحاً وفيراً للمنتج أو التاجر قرب نهاية الموسم، نظراً للتهافت الشديد من كثير من المستهلكين على “بطاطس التحمير” مما يساهم في ارتفاع أسعارها بشكل كبير بالإضافة إلى الندرة النسبية المعتادة للبطاطس في نهاية الموسم.

Potato01
درنات بطاطس تم تعفيرها بمبيد حشري بغرض الحفظ Image Source: PBS Website Original Image Link: Click

ومما يساهم في ارتفاع سعر “بطاطس التحمير” في نهاية الموسم هو الفقد العالي نسبياً في المحتوى المائي لدرنات البطاطس وبالتالي إلى انخفاض وزنه. إذ أن البطاطس المحفوظة لهذا الغرض لايتم تبريدها، مما يؤدي إلى تواصل التحولات الكيميائية والبيولوجية داخلها بداية من وقت حصادها، وبالتالي إلى فقد كمية كبيرة من الماء بها.

ومن أجل الوصول بمحصول بطاطس صالح –ولو جزئياً- للتسويق والاستهلاك في نهاية الموسم، قد يعمد المنتج أو التاجر إلى حصاد البطاطس في أطوار تسبق طور النضج الكامل المتعارف عليه كأحد عوامل جودة محصول البطاطس، و ذلك بغرض تحقيق عدة مزايا تسويقية من أهمها تقليل فاقد الماء خلال فترة التخزين والحفاظ على شكل ثمرة البطاطس من التجعد الناتج عن هذه العملية، بالإضافة إلى الوصول بمحصول البطاطس بأعلى وزن ممكن في نهاية الموسم.


Potato
حفظ محصول البطاطس بالجمع بين التبريد والتعفير

اعتماداً على درجة الخبرة لدى التاجر، فقد يعمد إلى حفظ محصول البطاطس حتى نهاية الموسم باستخدام أسلوب مختلط بين طريقتي التبريد والتعفير بالمبيدات الفطرية والحشرية. باستخدام هذه الطريقة يحاول التاجر الجمع بين مزايا الطريقتين، دون التضحية بخاصية “بطاطس التحمير” وومميزاتها، خاصة فيما يتعلق بالعائد الممتاز الذي يتحقق من بيعها في نهاية الموسم.

قد يعمد التاجر باستخدام هذه الطريقة إلى التعفير بكميات أقل من المبيدات الفطرية والمبيدات الحشرية مما يستخدم في طريقة الحفظ بالتعفير، مع التبريد في ظروف لا تؤدي إلى عملية تحول النشا إلى سكريات بسيطة كما هو متبع في طريقة الحفظ بالتبريد بشكل كامل.

ونظراً لتعدد العوامل التي قد تؤثر على مدى نجاح هذه العملية، فإنها تعتمد بشكل أساسي على خبرة القائمين بها وتجاربهم السابقة. ومن البديهي أن تكون العوامل المؤثرة في نجاح هذه العملية مزيجاً مركباً من العوامل المؤثرة في نجاح كل من الطريقتين السابق ذكرهما، كصنف البطاطس المستخدمة ومحتواها المائي عند الحصاد ودرجة نضج الدرنات وطول مدة التبريد ودرجة حرارة التبريد ونوع المبيدات الفطرية والحشرية المستخدمة وغيرها.

 


Potato
حفظ البطاطس بالمبيدات الحشرية والفطرية..
مخاطر صحية وبيئية بالجملة

بصرف النظر عن نوعيات المبيدات الحشرية والفطرية المستخدمة لحفظ محصول البطاطس لأغراض القلي والتحمير ومدى صلاحية هذه الكيماويات لملامسة مواد غذائية معدة للاستهلاك الآدمي، وبصرف النظر عن الفترة التي يبقى محصول البطاطس محفوظاً خلالها باستخدام هذه المبيدات ، فإنه لاخلاف على أن هذه المبيدات –وبافتراض استخدام نوعيات مصرح بها للأغراض الزراعية ولم تثبت علاقتها المباشرة بالتسبب في الإصابة بالسرطانات- هي سموم شديدة الخطورة على صحة الإنسان، وأن قدراً كبيراً منها ينفذ بسرعة إلى أعماق لب درنة البطاطس ولا يبقى فقط على قشرتها الخارجية كما قد يعتقد البعض. أي أن خطورة هذه المبيدات لاتزول بغسل أو بتقشير البطاطس، كما أنها لا تنخفض سميتها أو أضرارها بالطهو أو القلي تحت درجات حرارة مرتفعة، بل على العكس تماماً من ذلك، قد يحدث التسخين بها –خاصة تحت درجات حرارة مرتفعة كحرارة القلي- تغييرات كيميائية تجعلها أشد خطورة بمراحل من حالتها الأصلية. يضاف كل هذا إلى ماقد تحتويه الثمرة أساساً من بقايا غير مرغوبة جراء عمليات التسميد وعمليات مكافحة الآفات المتعددة التي قد يكون النبات قد تعرض لها أثناء نموه في التربة، مما يضع أعباءً هائلة على كل من الكبد والكلى، وهي الأعضاء الأكثر تخصصاً في تنقية الدم من السموم التي تدخل الجس، بل أن الكبد يقوم باختزان قدر كبير من هذه السموم مما قد يتسبب أو يساهم –على المدى البعيد- في إتلاف خلايا الكبد أو تليفها أو تحولها إلى خلايا سرطانية أو إلى المساهمة في حالات الفشل الكبدي أو الفشل الكلوي.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد لوحظ أن معظم محصول البطاطس المباع في نهاية الموسم باعتباره بطاطس قلي أو بطاطس تحمير يحتوي على أجزاء كثيرة خضراء، مما يوحي باحتمال أن البطاطس التي يتم حفظها بالمبيدات الفطرية والحشرية يتم حصادها أساساً في أطوار مبكرة سابقة للنضج، بما يزيد من درجة المخاطرة بتناول هذه البطاطس وذلك لاحتواء الأجزاء الخضراء منها على مادة “السولانين”، وهي مادة سامة تتواجد عادة في المجموع الخضري لمحصول البطاطس، بينما تختفي من الدرنات عند اكتمال النضج.

 

 


Potato
بعض الحلول المقترحة

على الرغم من أنني لم أجر ما يكفي من البحث بما يؤهلني لتقديم مقترحات معتبرة حلاً لهذه المشكلة، إلا أنني أعرض –موقتاً- بعضاً من النصائح والحلول البديهية أو من خلال الخبرات الشخصية:

  1. الاستغناء عن البطاطس المحمرة بمجرد أن تبدأ الأسواق في التفريق بين “بطاطس التحمير” و”بطاطس الطهو” وذلك حتى بداية موسم البطاطس التالي.
  2. تخزين البطاطس للقلي منذ بداية الموسم، وذلك عن طريق شراء كميات مناسبة منها خلال موسم وفرتها وجودتها، وتجهيزها بشكل كامل للقلي، ثم قليها قلياً مبدئياً، أي قليها بالطريقة المعتادة، ولكن لبضع دقائق فقط (أو ما يسمى بالـ “نصف قلي”) ثم تخزينها في المجمدات “الفريزر” على هذه الحالة تحت درجات حرارة منخفضة بقدر الإمكان، ويفضل استخدام مجمدات الـ”ديب فريزر”. تتسبب الدقائق القليلة التي تقضيها قطع البطاطس في الزيت الحار في تثبيت النشا ووقف احتمال تحوله في المستقبل إلى سكريات بسيطة، وهو ذاته المبدأ الذي تعتمد عليه الشركات التي تقوم بتسويق البطاطس المجمدة المعدة للقلي طوال العام، ويوضح أيضاً سبب تسويق الشركات لهذا الشكل من البطاطس دائماً على أنه “بطاطس نصف مقلية” ولا تكتفى بتسويقها على أنها “بطاطس مجمدة”. هذا وتساعد أيضاً عملية القلي المبدئي أو “النصف قلي” على الحفاظ على لون البطاطس من تغير لونها، حيث أن تفاعل الأكسجين مع بعض المكونات الطبيعية في البطاطس قد يتسبب في اكتسابها لوناً داكناً غير مرغوب بمجرد تعرضها للهواء الجوي بعد تقطيعها.
  3. اللجوء إلى أساليب أخرى للتعامل مع البطاطس المخزنة بالتبريد (بطاطس الطهو)، مثل سلقها قبل تحميرها. كما أفاد أحد أصدقائي وهو الأستاذ علاء عمارة بأن نقع البطاطس المخزنة بالتبريد بعد تقطيعها بمحلول ملحي خفيف مضافاً إليه بعض الخل لعشرين دقيقة قد يساهم في تخفيف نسبة السكريات الموجودة على سطحها، بل وأكسابها بعضاً من “القرمشة” المفقودة أيضاً !!


Potato



Author
Khalid Gomaa, Freelance IT Consultant
م/ خالد جمعة
استشاري نظم المعلومات
Khalid Gomaa
Freelance IT Consultant
Abstract

The Egyptian household consumption pattern of potatoes suggests high demand on fresh, or rather “whole”, “unprocessed” potatoes over processed or frozen alternatives. Storage and preservation means such as refrigeration and dusting with pesticides and fungicides are inevitable to secure usable, marketable potatoes towards the end of season; over 10 months from harvest.

This brief article in Arabic discusses both methods, i.e., refrigeration and dusting with preservative fungicides and pesticides, in the light of cooking alternatives favorable to Egyptian consumers.


Khalid Gomaa, M.B.A.*, B.Sc.
25 December 2013
Cairo, Egypt


 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>